القرطبي
166
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( لولا أن رأى برهان ربه ) ولكن لما رأى البرهان ما هم ، وهذا لوجوب العصمة للأنبياء ، قال الله تعالى : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) فإذا في الكلام تقديم وتأخير ، أي لولا أن رأى برهان ( 1 ) ربه هم بها . قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : " ولقد همت به وهم بها " الآية ، قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، كأنه أراد ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها . وقال أحمد بن يحيى : أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصرة ، وهم يوسف ولم يواقع ما هم به ، فبين الهمتين فرق ، ذكر هذين القولين الهروي في كتابه . قال جميل : هممت بهم من بثينة لو بدا * شفيت غليلات الهوى من فؤاديا آخر : هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله فهذا كله حديث نفس من غير عزم . وقيل : هم بها تمنى زوجيتها . وقيل : هم بها أي بضربها ( 2 ) ودفعها عن نفسه ، والبرهان كفه عن الضرب ، إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها . وقيل : إن هم يوسف كان معصية ، وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته ، وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم ، فيما ذكر القشيري أبو نصر ، وابن الأنباري والنحاس والماوردي وغيرهم . فال ابن عباس : حل الهميان ( 3 ) وجلس منها مجلس الخاتن ، وعنه : استلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه . وقال سعيد بن جبير : أطلق تكة سراويله . وقال مجاهد : حل السراويل حتى بلغ الأليتين ، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته . قال ابن عباس : ولما قال : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " [ يوسف : 52 ] قال له جبريل : ولا حين هممت بها يا يوسف ؟ ! فقال عند ذلك : " وما أبرئ نفسي " [ يوسف : 53 ] . قالوا : والانكفاف في مثل هذه الحالة دال على الإخلاص ، وأعظم للثواب .
--> ( 1 ) في ع : رأى البرهان برهان . ( 2 ) هذا هو اللائق بالمعصوم دون سواه من المعاني . ( 3 ) الهيمان شداد السراويل .